أطلق مركز أبوظبي للغة العربية مبادرة "الناشر الصغير" لتمكين طلبة المدارس من اكتساب مهارات الكتابة والنشر، وتعريفهم بمراحل صناعة الكتاب منذ الفكرة الأولى وصولاً إلى الإصدار النهائي، بما يعزز حضورهم في منظومة الصناعات الثقافية والإبداعية، وينسجم مع رؤية إمارة أبوظبي في بناء جيل مبادر ومؤهل للإسهام في إثراء المشهد الأدبي الإماراتي برؤى معاصرة متجذرة في الهوية الوطنية.
وتأتي هذه المبادرة في إطار جهود المركز المستمرة لتعزيز مكانة اللغة العربية بوصفها حاضنة للفكر والإبداع، وترسيخها في وجدان الناشئة من خلال مسارات تعليمية وتطبيقية تدمج بين المعرفة والمهارة، وتسهم في إعداد مواهب قادرة على خوض تجربة النشر الاحترافي منذ مراحلها الأولى، وقد نظم المركز في هذا الإطار ست ورش عمل متخصصة، بمشاركة 48 طالباً وطالبة من مختلف مدارس إمارة أبوظبي، تراوحت أعمارهم بين 6 و18 عاماً، وتناولت جوانب من صناعة النشر، شملت الكتابة الإبداعية، والتحرير، والتدقيق اللغوي.
وتستمر فعاليات المبادرة حتى مارس 2026، لتتوج بإصدار كتاب جماعي يجمع إبداعات الطلبة، ويتم عرضه وتوقيعه رسمياً في جناح خاص ضمن فعاليات معرض أبوظبي الدولي للكتاب 2026، الذي سيقام من 11 إلى 20 أبريل المقبل، بحضور ذوي الطلبة والجمهور، في خطوة تعكس انتقال المشاركين من فضاء التعلم إلى فضاء الإنتاج الثقافي الفعلي، وربط المواهب الناشئة بالمنصات الثقافية الكبرى.
وتهدف مبادرة "الناشر الصغير" إلى استدامة الإبداع، وتوطين المعرفة في نفوس الأجيال الجديدة، من خلال الاستثمار في المهارات اللغوية والقدرات التعبيرية للطلبة استثمار مباشر في حاضرهم ومستقبلهم الفكري والمعرفي.
وتسعى المبادرة إلى بناء حلقة وصل فاعلة بين المواهب الواعدة وسوق النشر الاحترافي، بما يضمن تجدّد المشهد الثقافي، ويعزّز حضور اللغة العربية لغة قادرة على مواكبة العصر والعلوم والفنون، في ظل رؤية القيادة الرشيدة التي تضع بناء الإنسان وتنمية مهاراته في صدارة الأولويات الوطنية.
وانطلقت المبادرة بورشة تأسيسية بعنوان "أنا كاتب صغير – أكتب لأرى العالم أجمل" في نوفمبر الماضي، ركزّت على تحويل الأفكار الأولية إلى بنية قصصية متكاملة، وأسست لمفاهيم الكتابة الإبداعية وبناء النص، تلتها ورشة "فكرتي الأولى: رحلة اكتشاف الفكرة وتحويلها إلى بذرة قصة" بإشراف الكاتبة أحلام الزيود، والتي هدفت إلى تحفيز الخيال وكسر حاجز الرهبة لدى الطلبة عبر أدوات مبتكرة للعصف الذهني وبناء الأفكار.
وشهد البرنامج تعمقاً في الجوانب الفنية للسرد من خلال ورشة "العُقدة والحل: فن بناء الحبكة وتصعيد التوتر القصصي"، التي قدمت تدريبات متقدمة في التفكير الدرامي وبناء الحبكة المتكاملة، بدءاً من الحدث المحرك وصولاً إلى الذروة والحلول القائمة على القيم الأصيلة، وأسفرت عن إنتاج مخططات سردية عكست مستوى متقدماً من النضج الفكري لدى المشاركين.
وركزت المبادرة على تطوير الجوانب الأسلوبية عبر ورشة "فن السرد والحوار"، التي دربت الطلبة على توظيف الحواس الخمس في الوصف وبناء صوت سردي مميز، مع الالتزام بسلامة اللغة وعلامات الترقيم، وصولاً إلى ورشة "أبطال الحكاية: بناء الشخصية القصصية" التي مكنت المشاركين من إعداد ملفات متكاملة لشخصياتهم القصصية تشمل الدوافع والأهداف والأبعاد النفسية.
واختتمت السلسلة بورشة "لغة الأطفال الجميلة"، التي تناولت خصوصية أدب الطفل وأساليب صياغته، بما يوازن بين الجمال اللغوي والبساطة، ويبتعد عن الوعظ المباشر، لضمان وصول الرسالة الثقافية بأسلوب فني راقٍ.
وتجسد مبادرة "الناشر الصغير"، التي ينظمها مركز أبوظبي للغة العربية بالتعاون مع جهات معنية بصناعة النشر، نموذجاً متكاملاً لترسيخ الوعي الثقافي لدى الناشئة، وتعميق ارتباطهم باللغة العربية وقيمهم الوطنية.