في قلب الدار البيضاء، وعلى مقربة من أسوارها العتيقة وبواباتها التاريخية، تنهض سوق الأحباس أو "الحبوس" كما يطلق عليه السكان المحليون، بوصفها واحدة من أكثر الفضاءات الشعبية قدرة على اختزال روح المدينة المغربية؛ فهي ليست مجرد ممر تجاري تتجاور فيه الحوانيت، بل طبقة حية من الذاكرة الحضرية التي حافظت على إيقاعها على الرغم من تحولات الزمن.
تأسس حي الحبوس في إطار التوسع الديموغرافي الذي شهدته المدينة، في مطلع القرن العشرين ضمن رؤية هندسية أشرف على تنفيذها المعماريون الفرنسيون ألبير لابراد، وأوغست كوديت، وإدموند بريون في محاولة لابتكار حي بخصوصية فريدة تجمع بين الثقافة العربية الإسلامية المتجلية في طابع الهندسة المعمارية، ومظاهر التمدن حينها مثل قنوات الصرف الصحي.
ومنذ البدايات، شكلت السوق امتداداً اجتماعياً وثقافياً للحياة المغربية أكثر من كونها فضاء للبيع والشراء. الأزقة الضيقة المتعرجة، والأقواس الحجرية، والأبواب الخشبية الثقيلة، والواجهات ذات الطابع الأندلسي ـ المغربي، كلها صنعت هوية بصرية حافظت على تماسكها حتى اليوم. ومع مرور العقود، تحولت السوق إلى ملتقى للحرفيين وباعة الكتب.
وتمتلك سوق الحبوس خصوصية تميزها عن الأسواق الحديثة؛ فهي تقوم على فكرة "التجوال الثقافي"؛ إذ أن الزائر هنا لا يشتري سلعة فحسب، بل يدخل في حوار مع المدينة نفسها.
وارتبطت السوق تاريخياً بالحياة الثقافية في الدار البيضاء؛ إذ احتضنت مكتبات ودوراً لبيع المخطوطات، والكتب العربية والفرنسية، ما جعلها قريبة من النخب الفكرية والطلبة والباحثين. وهذه العلاقة بين السوق والكتاب منحت المكان دلالة رمزية تتخطى التجارة إلى إنتاج المعرفة وحفظ الذاكرة الشعبية.
وفي سياق احتفاء معرض أبوظبي الدولي للكتاب، الذي ينظمه مركز أبوظبي للغة العربية من 13 إلى 18 سبتمبر 2026، بأسواق الكتب الشعبية، تقدم "الحبوس" صيغة مثالية لفهم العلاقة العضوية بين المدينة والكتاب والحرفة والناس؛ فالمعارض الكبرى للكتاب لا تحتفي بالمؤلفات وحدها، بل تحتفي أيضاً بالأمكنة التي تصنع الوعي الجمعي، وتحفظ الهوية الثقافية من التآكل. ومن هذا المنظور، تصبح السوق نصاً مفتوحاً على التاريخ المغربي؛ نصاً يمكن قراءته عبر تفاصيل العمارة، ولهجات الباعة، وأسماء الدروب، وروائح الجلود والتوابل والورق القديم.
لقد نجحت سوق الحبوس في أن تبقى وفية لفكرتها الأولى؛ فضاء يوازن بين الحداثة والجذور. وربما لهذا السبب ما تزال، بعد أكثر من قرن على قيامها، قادرة على اجتذاب الزوار والكتّاب والفنانين والسياح، بوصفها مكاناً يرى فيه المغاربة مرآةً لهويتهم، فيما يرى فيها الزائرون صورةً مكثفة للمغرب، الذي يتقاطع فيه التاريخ بالحياة اليومية.
بقيت سوق الحبوس محتفظة بطابعها الإنساني والبصري، وكأنها ترفض أن تتحول إلى موقع سياحي عابر؛ فالتجول في سوق الحبوس يشبه قراءة فصل طويل من الرواية المغربية يُكتب بالأصوات والروائح والوجوه.