يستحدث معرض أبوظبي الدولي للكتاب، في دورته الخامسة والثلاثين، مبادرة "أعلام الإمارات"، لتؤسس مشروعاً وطنياً سنوياً يعنى بتوثيق التجارب الرائدة لرموز الثقافة والفكر في دولة الإمارات، وتحويل أثرها الفردي إلى معرفة موثقة ومحتوى ثقافي مستدام، ما يعزز الذاكرة الوطنية، ويصون المنجز الثقافي الإماراتي، ويتيح نقله إلى الأجيال المقبلة.
وتأتي المبادرة في سياق أوسع يترجم رؤية مركز أبوظبي للغة العربية، الجهة المنظمة، في بناء منظومة ثقافية لا تكتفي بإنتاج المعرفة ونشرها، وإنما تعمل على حفظها، وإتاحتها، وتوسيع أثرها، وهي أهداف تتقاطع مع الدور الذي رسخه معرض أبوظبي الدولي للكتاب من خلال توفير فضاء للحوار والتبادل المعرفي محلياً وإقليمياً وعالمياً.
وتنطلق "أعلام الإمارات" من فكرة جوهرية مفادها أن التحولات الثقافية الكبرى لا تُقرأ من خلال المؤسسات والمنجزات وحدها، بل من خلال سِير الأشخاص الذين أسهموا في صناعتها، والظروف التي تشكلت فيها تجاربهم، والأفكار التي حملوها، والمبادرات التي أطلقوها، والأثر الذي تركوه في المجتمع. ومن هنا تسعى المبادرة إلى الانتقال بالسيرة الثقافية من إطار الاحتفاء إلى مجال التوثيق، ومن الذكرى إلى المعرفة، ومن التجربة الفردية إلى الذاكرة الجمعية.
ويطمح المعرض، من خلال المبادرة، إلى بناء سردية متراكمة للمشهد الثقافي الإماراتي، تستعيد مسارات شخصيات كان لها حضور مؤثر في الأدب والإعلام والفكر والفنون والعمل الثقافي والمؤسسي، وتضع تجاربها في سياق التحولات التي شهدتها دولة الإمارات منذ قيام الاتحاد في العام 1971، بما يتيح قراءة تطور الحياة الثقافية الإماراتية من خلال مساراتها البشرية والمؤسسية والفكرية.
وتتجاوز المبادرة مفهوم التكريم التقليدي للشخصيات الثقافية؛ إذ تقوم على إنتاج معرفة قابلة للبقاء والتداول. ولذلك تتخذ من التوثيق والنشر والحوار أدوات متكاملة لاستعادة التجارب من خلال مواد معرفية وشهادات وجلسات متخصصة وإصدارات توثيقية وأعمال مرئية، ما يتيح لزوار المعرض، ولا سيما الجيل الجديد، الوصول إلى مصادر متعددة تعكس التجربة من زوايا مختلفة.
ويعكس هذا التوجه تحولاً في وظيفة معرض الكتاب نفسه؛ فالمعرض، وفقاً لرؤيته، منصة لصناعة النشر، وتعزيز التواصل بين الناشرين والمؤلفين والمثقفين، وصولاً إلى خلق فضاءً لتبادل الأفكار والشراكات واستكشاف تطورات القطاع، إلى جانب دوره في تعزيز القراءة ونشر المعرفة وتشجيع الحوار بين الشعوب. ومن هذا المنطلق، تأتي "أعلام الإمارات" لتضيف إلى هذه الوظيفة بعداً توثيقياً وطنياً، يجعل المعرض مساحة لإنتاج المعرفة وحفظها وإعادة تقديمها.
وتتصل المبادرة كذلك باهتمام مركز أبوظبي للغة العربية إيجاد مساحات جديدة لتعزيز الحراك الثقافي؛ فقد وسّع خلال السنوات الماضية نطاق مشاريعه ليشمل الترجمة والنشر والبحوث والدراسات والجوائز والبرامج القرائية، إلى جانب مبادرات تستهدف الأجيال الجديدة، وتشجع على القراءة والكتابة والإبداع.
وفي هذا الإطار، تصبح "أعلام الإمارات" امتداداً طبيعياً لهذا المسار، لكنها تضيف إليه عنصراً يرتبط بالذاكرة الثقافية الوطنية؛ إذ تنظر إلى التجارب الفردية باعتبارها جزءاً من أطوار تشكل الثقافة الإماراتية الحديثة.
كما تحمل المبادرة بعداً مهماً يتعلق بنقل الخبرة بين الأجيال؛ فتوثيق مسيرة المثقف أو الكاتب أو الإعلامي أو صانع المؤسسة يكشف مسارات التكوين والعمل والتجربة، ويقدم للأجيال الجديدة نماذج يمكن قراءتها واستلهامها وتطويرها. وبذلك تصبح السيرة الثقافية مادة للتعلم، ومصدراً للبحث، ومدخلاً لفهم التحولات التي صنعت المشهد الإماراتي.
وتكتسب المبادرة أهمية إضافية من كونها مشروعاً سنوياً تراكمياً؛ فكل دورة تضيف اسماً وتجربة وطبقة جديدة إلى سجل الثقافة الإماراتية، لتتكون مع مرور الوقت خريطة معرفية متعددة الأجيال ترصد تحولات الأدب والإعلام والفنون والمؤسسات الثقافية والفكرية في الدولة.
وبهذا المعنى، لا تستهدف "أعلام الإمارات" استعادة الماضي لمجرد الاحتفاء به، وإنما إعادة قراءته كمصدر من مصادر صناعة المستقبل؛ فحين تتحول السيرة إلى كتاب، والشهادة إلى وثيقة، والتجربة الفردية إلى مادة متاحة للباحثين والقرّاء، يصبح الإرث الثقافي جزءاً حياً من حركة المجتمع، لا مجرد سجل محفوظ في الذاكرة.
ومن شأن هذا النهج أن يعزز موقع معرض أبوظبي الدولي للكتاب منصة لإنتاج سرديات الثقافة الإماراتية، وتوثيق أعلامها، وإبراز منجزها، وإتاحة تجاربها أمام جمهور محلي وعربي ودولي.
وفي جوهرها، تؤكد "أعلام الإمارات" أن بناء المستقبل الثقافي لا ينفصل عن معرفة الذين أسهموا في بناء الحاضر، وأن حفظ الذاكرة ليس عودة إلى الماضي، بل أحد شروط استدامة المعرفة. ومن خلال هذه الرؤية، تتحول سيرة الأعلام من حكايات شخصية إلى صفحات في سردية الوطن، ومن منجزات فردية إلى إرث معرفي يمكن للأجيال أن تقرأه وتضيف إليه.